أبي طالب المكي

8

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

فوالله ما اهتممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت . وقد كان سهل بن عبد الله يقول : المتوكَّل إذا رأى السبب فهو مدّع . وقال : ليس مع الإيمان أسباب ، إنما الأسباب في الإسلام ، معناه ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليهما ، إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام . ومن ذلك ما قال لقمان لابنه : « للإيمان أربعة أركان : لا يصلح إلا بهنّ كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين : التوكَّل على الله ، والتسليم لقضائه ، والتفويض إلى الله ، والرضا بقدر الله » . فحال المتوكَّل سكون القلب عن الاستشراف إلى العبيد والتطلَّع وقطع الهمّ عن الفكرة فيما بأيديهم من التطمّع ، عاكف القلب علَّى المقلب المدبر ، مشغول الفكر بقدرة المصرف المقدر ، لا يحمله عدم الأسباب على ما حظَّره العلم عليه وذمّه ، ولا يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل به أو يوالي في الله ويعادي فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق ، فيترك الحق حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع المعتادة ، ولا تدخله نوازل الحاجات وطوارق الفاقات في الانحطاط في أهواء الناس والميل إلى الباطل أو الصمت عن حقّ لزمه ، أو يوالي في الله عدوا أو يعادي وليا ، ليرب بذلك حاله عندهم ، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكفّ عنهم ، ولا يرب الصنعة التي قد عرف بها لنظره إلى الصانع ، ولا يتصنّع لمصنوع دخله لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته ، ولا يسكن إلى عادة من خلق ، ولا يثق بمعتاد من مخلوق ، إذ قد أيقن برزقه ونفعه وضرّه من واحد . فهذه المعاني من فرض التوكَّل ، فإن وجدت في عبد خرج بها عن حدّ التوكَّل دون فضائله وتدخّله في ضعف اليقين . وقد كان الأقوياء إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء المفسدة لتوكَّلهم ، قطعوا تلك الأسباب ، وحسموا أصولها واعتقدوا تركها ، وعملوا في مفارقة الأمصار والتغرّب عن الأوطان وترك الآلاف والإيلاف ، فأخرجوا ذلك من حيث دخل عليهم ، ووضعوا عليه دواءه وضده من حيث تطرق إليهم ، حتى ربما فارقوا ظاهر العلم وخالفوا علم أهل الظاهر إلى علوم الباطن وحكم مشاهدتهم وقيامهم بحقّ أحوالهم ، إذ ليس أهل الظاهر حجة عليهم في شيء إلا وهم عليه حجة في مثله ، لأن الإيمان ظاهر وباطن ، والعلم محكم ومتشابه ، ولأن أهل الحق أقرب إلى التوفيق وأوفق لإصابة الحقيقة . كل ذلك رعاية لصحة توكلَّهم ووفاء بحسن عهدهم وعملا بأحكام حالهم لئلا تسكن قلوبهم لغير الله ، ولا تقف هممهم مع سوى الله ، ولا تطمئن نفوسهم إلى غيره ، ولا يتخذوا سكنا سواه ، ولا يسكنوا إلى أهواء النفوس وينخدعوا لسكونها عن سكون القلب ، فيسيء ذلك يقينهم ويوهن إيمانهم الذي هو الأصل ، ويستأسر قلوبهم التي هي المكان